فخر الدين الرازي

402

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بمساءلتهم عند الحاجة إلى اللّه استفتاء منهم ، وأما الحكماء فهم العالمون باللّه الذين لا يعلمون أوامر اللّه فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون باللّه وبأحكام اللّه فأمر بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي : لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر اللّه فله ثلاث علامات أن يكون ذاكراً باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفاً من الخلق دون الرب ، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من اللّه في السر ، وأما العالم باللّه فإنه يكون ذاكراً خائفاً مستحيياً . أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر ، وأما العالم باللّه وبأمر اللّه فله ستة أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم باللّه فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالساً على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلماً للقسمين الأولين ، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما ، ثم قال : مثل العالم باللّه وبأمر اللّه كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم باللّه فقد كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر اللّه فقط كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره « ز » قال فتح الموصلي : أليس المريض إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت « ح » قال شقيق البلخي : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن اللّه وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع / وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً . وقال أيضاً : ثلاثة من النوم يبغضها اللّه تعالى . وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة . والنوم في الصلاة ، والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة ، والضحك في المقابر ، والضحك في مجلس الذكر « ط » قال بعضهم في قوله تعالى : فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً [ الرعد : 17 ] السيل هاهنا العلم ، شبهه اللّه تعالى بالماء لخمس خصال : أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء . والثاني : كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم ، الثالث : كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم . والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرغ الوعد والوعيد . الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع وضار : نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به « ي » كم من مذكر باللّه ناس للّه ، وكم من مخوف باللّه ، جريء على اللّه ، وكم من مقرب إلى اللّه بعيد عن اللّه ، وكم من داع إلى اللّه فار من اللّه ، وكم من تال كتاب اللّه منسلخ عن آيات اللّه « يا » الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء وعدل الأمراء وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين . فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة ، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة « يب » فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء : أولها : لم يأمر أحداً بشيء حتى عمله ، والثاني : لم ينه أحداً عن شيء حتى انتهى عنه ، والثالث : كل من طلب منه شيئاً مما رزقه اللّه تعالى لم يبخل به من العلم والمال . والرابع : كان يستغني بعلمه عن الناس ، والخامس : كانت سريرته وعلانيته سواء . « يج » إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب الطاعة طلباً للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلباً للفراغ ، وحب الحكمة طلباً لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلباً لمناجاة الرب « يد » اطلب خمسة في خمسة ، الأول : أطلب العز في التواضع لا في المال